تُعدّ رياضة الجوجيتسو في الكويت من الرياضات القتالية التي بدأت تنمو بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال انتشار الأكاديميات، أو زيادة عدد المتدربين، أو ظهور لاعبين كويتيين ومقيمين يشاركون في بطولات محلية وخارجية. ومع ذلك، يلاحظ بعض المهتمين بالرياضة أن عدداً من المدربين داخل الكويت لا يشاركون كثيراً في البطولات المحلية، رغم أنهم يملكون الخبرة الفنية، والقدرة على المنافسة، والتأثير الكبير على طلابهم. هذه الظاهرة لا يمكن تفسيرها بسبب واحد فقط، بل هي نتيجة مجموعة من العوامل الرياضية، والنفسية، والاجتماعية، والتنظيمية.

أول سبب قد يفسر عدم مشاركة بعض المدربين هو اختلاف دور المدرب عن دور اللاعب. فليس كل مدرب يرى نفسه مطالباً بأن يكون منافساً نشطاً في البطولات. بعض المدربين يركزون على التعليم، وبناء الطلاب، وإدارة الحصص، وتطوير الأكاديمية. بالنسبة لهم، النجاح لا يُقاس بعدد الميداليات الشخصية، بل بقدرتهم على صناعة لاعبين أقوياء، وتحسين مستوى المتدربين، وبناء بيئة تدريبية محترمة. فالمدرب قد يكون قد مرّ بمرحلة المنافسة سابقاً، ثم انتقل إلى مرحلة أخرى يكون فيها دوره الأساسي هو التوجيه لا المشاركة.

السبب الثاني يرتبط بالضغط النفسي والسمعة. المدرب في نظر طلابه ليس مجرد لاعب، بل هو شخص يُنظر إليه باعتباره مرجعاً فنياً. لذلك، قد يشعر بعض المدربين أن المشاركة في بطولة محلية تحمل مخاطرة معنوية، لأن الخسارة قد تُفسّر بشكل خاطئ من بعض الناس أو من المنافسين أو حتى من الطلاب الجدد. في الجوجيتسو، الخسارة أمر طبيعي جداً، بل هي جزء من التطور، لكن الثقافة الرياضية عند بعض المتابعين قد لا تكون ناضجة بما يكفي لفهم ذلك. لذلك يفضل بعض المدربين تجنب البطولات حتى لا تتحول النتيجة إلى حكم على قيمتهم كمدربين.

كذلك، هناك عامل العمر والإصابات. كثير من المدربين قضوا سنوات طويلة في التدريب والمنافسة، وربما يعانون من إصابات في الركبة، أو الظهر، أو الرقبة، أو الكتف. المشاركة في بطولة ليست مثل التدريب اليومي، لأنها تحتاج إلى جاهزية بدنية عالية، ونزالات قوية، ووزن محدد، واستعداد ذهني وبدني خاص. بعض المدربين قد يستطيعون تعليم التقنية بكفاءة عالية، لكنهم لا يرغبون في تعريض أجسادهم لمزيد من الإصابات، خصوصاً إذا كانت لديهم مسؤوليات مهنية أو عائلية أو أكاديمية خارج الرياضة.

ومن الأسباب المهمة أيضاً أن بعض المدربين ينظرون إلى البطولات المحلية باعتبارها لا تخدم أهدافهم الحالية. فهناك مدربون يفضلون المشاركة في بطولات خارجية، أو في بطولات ذات مستوى أعلى، أو ربما يرون أن البطولات المحلية لا تضيف كثيراً إلى سجلهم الرياضي. هذا لا يعني بالضرورة تقليلاً من البطولات داخل الكويت، بل قد يعكس اختلافاً في الأولويات. فبعض المدربين يهتمون أكثر بتطوير الأكاديمية، أو صناعة محتوى تعليمي، أو تدريب فريق منافس بدلاً من المنافسة بأنفسهم.

أيضاً، قد توجد حساسية اجتماعية بين الأكاديميات. مجتمع الجوجيتسو في الكويت ما زال صغيراً نسبياً، والجميع يعرف بعضه البعض. مشاركة المدرب في بطولة محلية قد تضعه في مواجهة طلاب سابقين، أو مدربين آخرين، أو أصدقاء من أكاديميات مختلفة. بعض المدربين لا يرغبون في خلق توتر أو منافسة شخصية قد تؤثر على العلاقات داخل المجتمع الرياضي. فبدلاً من أن تكون البطولة مناسبة رياضية، قد تتحول أحياناً إلى مساحة للمقارنة بين الأكاديميات أو إثبات من هو الأفضل.

هناك كذلك جانب إداري وتجاري. بعض المدربين يديرون أكاديميات أو يعملون في التدريب كمصدر دخل أساسي. لذلك قد يكون وقتهم موزعاً بين الحصص، الإدارة، التسويق، متابعة الطلاب، وتنظيم البرامج. التحضير للبطولة يحتاج إلى وقت وجهد ونظام غذائي وتدريب خاص. ومع ضغط العمل اليومي، قد لا يجد المدرب الوقت الكافي ليجهز نفسه كمنافس. وفي بعض الأحيان، يفضل المدرب أن يرافق طلابه في البطولة ككوتش بدلاً من أن يشارك كلاعب، لأن وجوده في زاوية الطلاب يكون أكثر فائدة للفريق.

كما لا يمكن تجاهل أن بعض المدربين قد يتجنبون البطولات بسبب الخوف من كشف المستوى الحقيقي. هذه نقطة حساسة، لكنها موجودة في كل رياضة. فهناك فرق بين أن تكون قادراً على الشرح والتدريب داخل الحصة، وبين أن تختبر نفسك تحت ضغط بطولة، أمام جمهور، وحكم، وخصم مستعد. بعض المدربين قد لا يرغبون في تعريض أنفسهم لهذا الاختبار، خصوصاً إذا كان اسمهم التسويقي مبنياً على صورة القوة أو الخبرة. ومع ذلك، لا ينبغي التعميم، لأن عدم المشاركة لا يعني بالضرورة ضعف المستوى.

وفي المقابل، يجب التأكيد أن مشاركة المدرب في البطولات ليست شرطاً مطلقاً لكي يكون مدرباً جيداً. هناك مدربون عظماء في العالم لا ينافسون كثيراً، لكنهم يصنعون أبطالاً. وهناك لاعبون ممتازون لا يستطيعون التدريس بشكل جيد. المهارة في المنافسة والمهارة في التعليم ليستا الشيء نفسه. المدرب الجيد هو الذي يستطيع أن ينقل المعرفة، يصحح الأخطاء، يفهم الفروق بين الطلاب، يبني خطة تدريبية، ويحافظ على سلامة المتدربين وتطورهم.

لكن رغم ذلك، مشاركة المدربين في البطولات المحلية لها قيمة كبيرة. فهي تعطي مثالاً للطلاب في الشجاعة والانضباط، وترفع مستوى المنافسة، وتدعم البطولات المحلية، وتخلق ثقافة صحية تقول إن الجميع يتعلم والجميع يختبر نفسه. عندما يرى الطالب مدربه يشارك، سواء فاز أو خسر، فإنه يتعلم أن الجوجيتسو ليست فقط كلاماً وتعليمات، بل تجربة مستمرة من الضغط، والتحدي، والتواضع.

في النهاية، عدم مشاركة بعض مدربي الجوجيتسو في بطولات الكويت له أسباب متعددة: منها ما هو مشروع ومفهوم، مثل العمر، الإصابات، الانشغال، أو التركيز على تدريب الطلاب؛ ومنها ما قد يكون مرتبطاً بالخوف من الخسارة أو الحفاظ على الصورة الاجتماعية. والأفضل ألا نحكم على المدرب من المشاركة وحدها، بل من جودة تدريبه، أخلاقه، نتائج طلابه، واستمراره في تطوير نفسه. ومع ذلك، فإن وجود عدد أكبر من المدربين في البطولات المحلية سيكون مفيداً لرياضة الجوجيتسو في الكويت، لأنه يعزز ثقافة المنافسة، ويدعم المجتمع الرياضي، ويجعل العلاقة بين المدرب والطالب أكثر واقعية وتواضعاً.

هل يخشى المدرب فقدان صورته كبطل؟

من الأسباب الحساسة التي قد تفسر عدم مشاركة بعض المدربين في بطولات الجوجيتسو داخل الكويت هو الخوف من فقدان الصورة الذهنية التي بناها أمام طلابه والجمهور. فبعض المدربين يُقدَّمون داخل الأكاديمية أو عبر وسائل التواصل باعتبارهم “أبطالاً” أو أصحاب مستوى عالٍ، وهذه الصورة قد تتحول مع الوقت إلى عبء نفسي. المشاركة في بطولة تعني الدخول في اختبار حقيقي أمام الجميع؛ فقد يفوز المدرب، وقد يخسر، وقد يظهر عليه التعب، أو يتعرض للسيطرة، أو يُهزم أمام لاعب أصغر سناً أو أقل شهرة. هنا لا تكون المشكلة في الخسارة نفسها، لأن الخسارة جزء طبيعي من الجوجيتسو، بل في خوف المدرب من طريقة تفسير الناس لهذه الخسارة.

وقد يخشى المدرب أن تؤثر الهزيمة على هيبته أمام طلابه، أو على ثقة المتدربين الجدد به، أو على صورته التسويقية في المجتمع الرياضي. وهذا الخوف مفهوم من ناحية إنسانية، لكنه قد يكون مضراً إذا جعل المدرب يتجنب الاختبار تماماً. فالمدرب الحقيقي لا تُقاس قيمته بأنه لا يخسر، بل بقدرته على التعلم، والرجوع، والتواضع، وتحويل التجربة إلى درس لطلابه. بل إن مشاركة المدرب وخسارته بشجاعة قد ترفع مكانته أكثر من تجنبه للمنافسة، لأنها تُظهر أن الجوجيتسو طريق مستمر، وأن الحزام أو اللقب لا يعنيان نهاية التعلم.

كما أن صورة “البطل الذي لا يُهزم” قد تكون صورة غير واقعية وخطرة على ثقافة الرياضة. الجوجيتسو رياضة تقوم على التجربة، والضغط، والخطأ، والتصحيح. فإذا كان المدرب يطالب طلابه بالمشاركة في البطولات ومواجهة الخوف، فمن المنطقي أن يكون هو أيضاً قادراً على تقبل فكرة الاختبار، حتى لو لم يشارك دائماً. لذلك، فإن الخوف من فقدان صورة البطل قد يكون أحد الأسباب الخفية لغياب بعض المدربين عن البطولات، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن حاجة المجتمع الرياضي إلى ثقافة أكثر نضجاً: ثقافة ترى أن الخسارة لا تُسقط قيمة المدرب، وأن الشجاعة ليست في الفوز فقط، بل في الوقوف على البساط رغم احتمال الخسارة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *